عبد العزيز المقالح وشعرية الرمز التاريخي: الحاضر في سياق الماضي
الرمز التاريخي واحدٌ من أهم روافد الرمز الشعريّ، وعليه استند الرمز في الشعر العربي المعاصر في صياغة كثيرٍ من التجارب الشعرية؛ إذ يعد الإنسان قيمة ثقافية ونفسية وثيقة الصلة بماضوية التاريخ؛ بوصفه حيوات متفردة وطاقة روحية جيّاشة، مكتظة بالدلالة والغنى والقدرة على الارتقاء الجمالي بالتجربة الشعرية(1).
هذا الرافد الخصب، كان من السياقات الرمزية، في القصيدة اليمنية المعاصرة؛ إذ كان من أنساق الرمز التاريخي في الشعر اليمني المعاصر، ما استأثر بمساحةٍ فاعلة في صياغة تجربة الشاعر عبد العزيز المقالح؛ إذ كان من تجليات العلاقة بين تجربة المقالح وشعرية الرمز التاريخي، ما ورد من استئناسه فيها بالتاريخ، لا سيما ما يتعلق من ذلك بالتاريخ المحلي، من مثل استلهام الشاعر للشخصيتين التاريخيتين: بلقيس، وعمرو بن مزيقياء.
شعرية الرمز التاريخي بلقيس
ارتبط الشاعر اليمني المعاصر بتاريخه المحلي ارتباطًا وثيقًا(2)؛ فكان مورده الذي استمد منه ما تدعوه إليه الحاجة، من رموزٍ قادرة على استيعاب إيحاءات تجربته الشعرية وأبعادها(3).
وبتوظيف الشاعر اليمني المعاصر التاريخَ المحليّ رمزًا شعريًّا، يفقد الرمز تاريخيته المشرقة، ويحل محل ذلك واقعيته القاتمة. وهو ما تجلّى في توظيف الشاعر عبد العزيز المقالح لشخصية بلقيس، التي اتخذ منها رمزًا لليمن، في قوله:
“(بلقيسُ) في سحابةِ الحزنِ
تمرُّ بالسُّفوحِ بالجبالْ
بحثًا عنِ الأبطالْ،
أشلاؤُهم لَمّا تزلْ مهجورةً
يغفو عليها ينحني الرَّمادْ”(4).
اتسع الفضاء الإيحائي للرمز التاريخي بلقيس ــ هنا ــ ليكون رمزًا شاملًا للوطن، اليمن بزمنه الحاضر وبؤسه المعاصر. ذاك البؤس، الذي شكّل مسارًا فاعلًا ،في تحوير تاريخية الرمز الإيجابية، بواقعية الحاضر السلبية، التي صاغت من الرمز بلقيس سحابةَ حزنٍ تجوب الآفاق والتلال والأرجاء؛ باحثةً عن الأبطال من أبنائها، فلا تجدهم بين الأحياء، وتجدهم قد قضوا نحبهم، في سبيل البحث، عن واقع مغايرٍ لواقع البؤس الذي أثخن بلقيسَهم بانكساراته.
اقرأ أيضًا: الصورة التشبيهية في شعر المقالح
لا تجد (بلقيس/ اليمن) إلا الأشلاء والجثث المهجورة من أبنائها الأحياء، الذين جبنوا عن أن يكون لهم نصيبٌ من شرف الإخلاص لها. كما جبنوا في تجاهلهم من كانوا أشجع منهم، فهجروا مبادئهم ومسارات دربهم. ويكتنز غيابُ أبطالها بين الأحياء إيحاءً بقلة أبنائها المستعدين لبذل نفوسهم في سبيلها، والسير بها نحو آفاق غايتها وآمالها المرجوة.
شعرية الرمز التاريخي عمر بن مزيقياء
إذا كانت شخصية الرمز بلقيس قد استوحيت استيحاءً ذا مضامين مغايرة لأبعادها التاريخية، فإن استدعاء الشخصية التاريخية عمرو بن مزيقياء(5) رمزًا للخيانة الوطنية، قد مثّلَ اتساقًا مضمونيًّا بين أبعاد الشخصية التاريخية وأبعادها الرمزية المعاصرة، في قول المقالح، من قصيدته “رسالة إلى عمرو بن مزيقياء”:
“أينَ مكانُكَ يا (عمروُ) بينَ الرِّمَمْ؟
وأينَ الدِّيارُ التي اخْتَرْتَها موطنًا لكَ
قبلَ انهيارِ الجدارِ
وقبلَ انفجارِ العَرِمْ؟
وهل لكَ قبرٌ على الأرضِ
أمْ لَفظَتْكَ الرِّمالْ؟
لأنكَ خنتَ الترابَ
وخنتَ الرِّجالْ”(6).
يحرص المقالح في كثير من نصوصه الشعرية، على أن يتمثّل التاريخ اليمني القديم، بكل إشراقاته ونكباته(7). وهنا وظّف أبعاد الشخصية التاريخية، التي اتسمت أبعادها بالسلبية(8)؛ فاتخذ منها ــ ومن سياقاتها الإيحائية ــ رمزًا شعريًّا إلى مَن يخون الأرض وأبناء الوطن، ويفر عند الهزيمة، مصورًا بذلك السلوك المشين الذي قام به الحكام اليمنيون، الذين باعوا ممتلكاتهم، وغادروا البلاد إبان قيام الثورة، فأسقط الشاعر مضمون قصة الحاكم اليمني القديم على أولئك الخونة(9) من الحكام، وبعض المثقفين، الذين غادروا وطنهم في محطات الشدائد والمحن(10).
البعد الاغترابي في شخصية عمرو بن مزيقياء
كان البعد الاغترابي ــ في شخصية التاريخ المحلي عمرو بن مزيقياء ــ واحدًا من الأنساق المضمونية، التي وظّف الشاعر رمزيتها في مخاطبته لعمرو:
“توَّهمْ كما شئتَ
سوف تظل الغريبْ،
وطعم الرماد سيبقى
على شفتيكَ،
ولن تتذوق طعم الأمانْ،
تمرّ ..
فتضحكُ منكَ الوجوهُ
وتهزأ منك الدروبْ
وأين ذهبتَ،
وحيثُ ارتحلتَ
تموتُ الغريبَ، وتحيا الغريبَ،
وتدعى الغريبْ”(11).
فهنا عمرو رمز إلى مهاجرٍ يخون الوطن، ثم يفر خارجه مشردًا في الأرض. تُمَزِّق وجدانه الأسفار، ويعشعش في حياته ووجوده الخوف والقلق. تهزأ به الحياة، والمسالك والبشر. يجوب الدنيا مجهولًا، لا تفارقه وصمة الغريب، أينما حلّ، وحيثما ارتحل:
“إذا ما ارتحلنا ذكرناكَ
يا أول الراحلينْ
وحين نفرُّ من الليلِ
أنتَ الدليلُ المهينْ
وتحت المناجم عند ثلوج الشمالْ
رسمناكَ يا وجهَ غرابٍ حزينْ”(12).
لقد كان عمرو فاتحة الرحيل والغربة، للخونة الذين استبدلوا وطنًا آخر بوطنهم، فحذوا حذوه على امتداد حقب التاريخ.
اقرأ أيضًا: الرمز في تجربة الشاعر عبد الله البردوني: الرمزية الصوفية والإحالات التاريخية
لذلك؛ استقام في هذه القصيدة نسيجُ رمزيته المتجددة، إلى كل من يخون وطنه في أوقات الشدائد، ناهبًا ثرواته مرتحلًا معها إلى خارجه؛ حيث مثَّلتْ هجرة عمرو وخيانته الوطنية ـــ تاريخًا ورمزًا ـــ ألَمًا يتذكره الراحلون المهاجرون؛ بوصفه بدايةً مشؤومة لمعنى الاغتراب والهجرة، ولعنةً تُلاحق الوطن في كلّ عصرٍ، بهيئاتٍ وأشكال جديدة، وتستوعبها صور تعبيرية وسياقات رمزية مختلفة.
فهل لهذه البداية نهايةٌ مأمولة، يمكن أن تُعيد للرمزية التاريخية إشراقها، الذي كانت عليه شخصية بلقيس؟ أو أن شخصية عمرو بن مزيقياء، ستظل هي الأكثر اتّساقًا مع واقعٍ بائسٍ، يتدحرج نحو مستقبل مجهولٍ، قد يكون أكثر بؤسًا وشقاءً من بؤس الحاضر وشقاء الماضي في آن واحد؟
الهوامش والإحالات
(1) ينظر: علي جعفر العلاق، “في حداثة النص الشعري”. دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد، 1990م، ص: (41).
(2) ينظر: أحمد قاسم الزمر، “ظواهر أسلوبية في الشعر الحديث في اليمن”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (284).
(3) ينظر: أحمد قاسم أسحم، “الرمز في الشعر اليمني المعاصر”. مكتبة أبي حامد، تعز، د.ت، ص: (117).
(4) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، جـ3/ ص: (249).
(5) هو عمرو بن عامر بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد. من قحطان، ملك جاهلي يماني من التبابعة، ولقب بـ (مزيقياء)، لأنه كان يلبس في كل يوم حلة، ثم يمزقها. ينظر: خير الدين الزركلي، “الأعلام ــ قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين”. ط4، دار العلم للملايين، بيروت، 1979م، جـ5/ ص: (81).
(6) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ3/ ص: (306،305).
(7) خديجة المغنج، “استلهام التراث في شعر عبد العزيز المقالح”. إصدارات وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص: (284).
(8) تقول الروايات التاريخية: إن عمرو بن مزيقياء رأى في منامه ما ينذر بقرب انهيار سد مأرب، فقرر بيع أملاكه والهجرة. لاسيما وقد بنى قراره هذا ــ أساسًا ــ على معرفة بأوضاع السد المتدهورة، فابتدع حيلةً يستطيع أن يبرر بها ما سيقدم عليه، من دون أن يثير تساؤلات شعبه حول الهرب، فزرع الخلاف بين بنيه حين طلب من أصغر أبنائه أن يسيء إليه على مرأى من النّاس ومسمع، وطلب من بنيه عدم نهيه. وبذلك؛ لن يجرؤ أحد من الحاضرين، على التّدخّل في صمت الإخوة. وهو ما يمنح عمرو بن مزيقيا نفسه حجّة لأن يقسم يمينًا لا كفّارة فيها، بألاّ يمكث في مكان أهانه فيه أصغر أبنائه، من دون أن يجد من يردّ عليه. وبذلك؛ لن يجرؤ أحد على مراجعة قراره، ولن ينتبه أحد إلى سبب فراره. ينظر:
- المسعودي (علي بن الحسين)، (346هـ)، “مروج الذّهب ومعادن الجوهر”. ط5، دار الأندلس، بيروت، 1983م، جـ2/ ص: (168،167).
- فاضل الربيعي، “الشيطان والعرش رحلة النبي سليمان إلى اليمن”. ط1، رياض الريس، بيروت، 1996م، ص: (222،221).
(9) ينظر: عز الدين إسماعيل، “الشعر المعاصر في اليمن .. الرؤية والفن”. دار العودة، بيروت، 1986م، ص: (158).
(10) ينظر: عبد الله البردوني، “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”. ط5، دار الفكر، دمشق، 1995م، ص: (23).
(11) عبد العزيز المقالح، “الأعمال الشعرية الكاملة”. مرجع سابق، جـ3/ ص: (309).
(12) نفسه، جـ3/ ص: (310).


