سردية التربية وهندسة الأدمغة في كتاب أمة المربين

سردية التربية وهندسة الأدمغة في كتاب أمة المربين

أتناول في هذه المقاربة التحليلية فكرة كتاب "أمة المربين"، المتعلقة بمركزية السنوات الثلاث الأولى من عمر الأطفال في هندسة أدمغتهم.

سردية التربية وهندسة الأدمغة في كتاب أمة المربين

د. عبده منصور المحمودي

الفكرة الرئيسة، التي قامت عليها مضامين كتاب “أمة المربين”(1) ــ الذي ألّفتْه الدكتورة دانا سوسكيند(2)، بالاشتراك مع  ليديا دوينوورث(3)، وترجمه إلى العربية الأستاذ لطف الصراري(4) ــ هي الأهمية والقيمة العالية لفترة السنوات الثلاث الأولى، من حياة كل طفلٍ؛ بوصفها مساحةً شاسعةً لإمكانات هائلة، ذات دورٍ جوهري ورئيس، في تشكيل أدمغة الأطفال، وتزويدهم بأهم ما يحتاجون إليه من مهارات وقدرات، تمكّنهم من التعاطي مع حياتهم المستقبلية، على اختلاف مجالاتها: السلوكية، والثقافية، والمعرفية، والمهنية، والإبداعية.

بدأت هذه الفكرة في التشكّل رؤيةً تربويةً لدى مؤلفة الكتاب، بعد مرورها بموقف مأساويٍّ، أعاد صياغة نظرتها إلى التربية والطفولة. تقول عن ذلك: “قبل عشرين سنة، بدأتُ حياتي كأمٍّ بكل ما اعتقدتُ آنذاك أنها الأدوات اللازمة لأداء مهمّتي، لكن ذات يوم مؤلم تغيّر كلّ شيء. كان ذلك عندما غرق زوجي “دون” أثناء محاولته إنقاذ صبيين، تاركًا إياي أرملةً شابة مع ثلاثة أطفال بلا أب”(5).

هذا اليوم الفارق في حياة سوسكيند، انتقل برؤيتها في التربية، من الإطار المتعارف عليه، إلى مستوىً متقدمٍ، من الحرص على الوصول بأولادها الثلاثة: (جنيفيف، آشر، إميلي)، إلى بر الأمان في حياتهم القادمة. ومن هذا التحوّل، انطلقت في بحثها، عن آليةٍ مناسبة، لبناء أدمغة الأطفال، بما يمكّنهم من استيعاب حياتهم التي تنتظرهم، والتعاطي الإيجابي المثمر مع تحولّاتها وإشكالاتها.

وإلى هذا الموقف المحوري في حياة المؤلفة، يأتي عاملٌ آخر، ضمن عوامل تشكيل رؤيتها التربوية ــ تلك ــ ذاك المتمثّل في ارتباط بحثها بمجال الطفولة، بصفتها مديرةً لزراعة أنسجة القواقع الصناعية للأطفال، وأستاذةَ الجراحة وطب الأطفال في جامعة شيكاغو. فهي بحسب ـــ ما ورد من إشاراتها إلى ذلك: جرّاحةٌ تعمل في زراعة الأنسجة القوقعية، على بعد مليمترات فقط من أدمغة الأطفال(6)، بما في هذا العمل من حساسيةٍ في المسافة الدقيقة الفاصلة بينه والدماغ(7)، وما يكتنفه من سعةٍ وعمقٍ، لا سبيل فيهما إلى الإلمام بكل تفاصيله. ذلك هو ما تشير إليه، فتقول: “على الرغم من قضائي عقودًا في إجراء العمليات على مسافةٍ قريبة جدًّا من الدماغ البشري، أجد نفسي مندهشة بصورة روتينية ــ وأعني تلك الدهشة التي تشلّ الحركة ــ من تعقيداته وقدراته”(8).

تلك الدهشة المقرونة بالإخلاص للعمل، كانت تحفيزًا لهذه الطبيبة على مزيد من البحث والاشتغال المكثف على خصائص أدمغة الأطفال. ليس من زاوية طبية جراحية فحسب، وإنما من زاوية اجتماعية، متعلقة بالعمل على صياغة آليةٍ فاعلة في تشكيل هذه الأدمغة، أو هندستها ــ بحسب تعبير المؤلفة ــ بما يتسق مع خصوصية سنواتها الثلاث الأولى، وما تكتنزه هذه الفترة، من إمكانات بيولوجية تأسيسيةٍ لنجاح أصحابها، في مستقبل أعمارهم. فكيف يمكن هندسة أدمغة الأطفال؟ وكيف تمكّنت المؤلفة من تقديم رؤيتها ذات النسقية السردية الآسرة؟ هذان التساؤلان هما ما ستمضي هذه المقاربة التحليلية، إلى التماس الإجابة عليهما.

أولًا: هندسة أدمغة الأطفال: السياقات والآليات

لا شك في أن المجال الهندسي ذو خصوصيةٍ أكثر ارتباطًا بالدقّة والمعاينة لتفاصيل الأشياء التي يتم الاشتغال عليها. وعلى ذلك، فقد استُخدم هذا المصطلح، في هذا الكتاب المختلف عن دائرته العلمية، بشكل لا يحيل على انتزاع دلالته على خصوصيته الاصطلاحية، بقدر ما يحيل على توظيفها في الدلالة على عملية بناء أدمغة الأطفال، بدقةٍ وتفاصيل مختلفة، وأجزاء وتفريعات متقاطعة، جميعها تترابط هندسيًّا، بصورة فاعلة في تشبيك المعطيات التي يتم إدخالها على أدمغة الصغار من جهة، وتشبيك هذه المعطيات بشبكة من المخرجات التي يفضي إليها هذا البناء القائم على قدر عالٍ من الحرص والانتباه، من جهة أخرى.

ويتجلّى تركيز المؤلفة، على أن ينتظم حديثها ــ عن هذا النوع من العمل الهندسي الاستثنائي ــ في محورين اثنين: السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل، واستثمار هذه السنوات بآلية “التاءات الثلاث”.

السنوات الثلاث الأولى خصوبة ومرونة مذهلة

تضمّنتْ كثيرٌ من سياقات هذا الكتاب ومضامينه إشاراتٍ متعددة، إلى خصوصية السنوات الثلاث الأولى في تشكيل دماغ المولود؛ إذ “تبدأ عملية بناء الدماغ القوي من اليوم الأول لحياة الطفل”(9). كما أن “معظم عملية نمو الدماغ سوف تحدث في أول سنتين من حياة الطفل؛ فخلال شهر واحد من الولادة، يكون إجمالي حجم دماغه حوالي ثلث دماغ الشخص البالغ فقط، ثم يزداد بطريقة دراماتيكية إلى 72% من حجم دماغ الشخص البالغ في غضون سنة واحدة، وإلى 83% بحلول السنة الثانية”(10).

وبذلك؛ فإنّ الأطفال في هذه المرحلة “يمكنهم التعلم من كل ملامسة، كل كلمة، كل صوت، وكل رائحة”(11)؛ إذ إن “كل تجربة جديدة ــ ما يسمعه الطفل ويراه، ما يلمسه ويذوقه ويشمّه، كل تربيتة أو ملاطفة، كل حضن يُشعره بالدفء والحماية، كلّ هدهدة أو إرشادات ــ كل ذلك يزوّده بدليل إرشادي لحياته”(12). وهو ما يؤكد أن “الأطفال الذين يحظون ببيئة تساعدهم على بناء أساسات جيدة للدماغ، يتعلمون بكفاءة أكبر كلّما تقدموا في العمر، ويحرزون مفردات أكثر، وأفكارًا أكثر، ومفاهيم رياضية أكثر تطورًا”(13).

بين الرعاية والتعليم

ناقشت المؤلفة خصوصية السنوات الثلاث الأولى، من زاوية متعلقة، بآليات ونظم تعليمية راسخة في الفكر التربوي المعاصر، الذي يتغاضى عن هذه الفترة الحرجة، فتقول عن ذلك: إننا نظل “مخلصين لرؤيتنا النفقية التي تركز على التعليم من مرحلة الروضة إلى الثانوية باعتباره الطريقة التي تمنح كل طفل فرصته، بينما نتجاهل احتياجات أطفالنا الأصغر سنًّا الذين لا تزال أدمغتهم في ذروة فترتها التكوينية”(14).

ثم تعرّي هذه النظم، مؤكّدة أن البداية الحقيقة للتعليم أسبق من مرحلة الروضة؛ إذ “يبدأ التعليم من أول يوم في الحياة وليس من أول يوم في المدرسة. وبحلول اليوم الأول في روضة الأطفال، تكون هناك الكثير من الفروق قد حدثت في أوساط الأطفال؛ بعضهم يصل مستعدًّا للتعلم، لكن بالنسبة للآخرين، يكونون مستعدين للتعليم التصحيحي”(15).

وترى المؤلفة أن العمل على تطوير هذه الرؤية التعليمية السائدة، لا يتيسر إلّا من خلال العمل على تنمية صحية لأدمغة الطفولة؛ إذ تقول: “عندما تكون تنمية الدماغ الصحية هي هدفنا، فإن وجهة نظرنا تتغيّر. حينها، وعلى نحو مفاجئ، يبدو ما يحدث في الفترة ما بين الولادة وسنّ الثالثة وكأنه جزء طبيعي من السلسلة التعليمية”(16). كما تعزز هذا القول، بإشارتها إلى أن “هناك موجة من الاهتمام بفكرة أن الرعاية الصحية يمكن أن تصبح الحلقة المفقودة في السلسلة التعليمية، ويمكنها أن تبني جسرًا بين اليوم الأول من حياة الطفل، وبين اليوم الأول من التعليم الرسمي”(17).

ومن خلال مناقشتها لتفاصيل الآليات والنظم التعليمية المعاصرة ــ وبوجه خاص في بلدها الولايات المتحدة الأمريكية ــ تصل المؤلفة إلى رؤيتها التعليمية والتربوية، التي تؤكد فيها ضرورة أن يكون نهج التعليم والرعاية المبكرين “سلسلةً متصلةً تبدأ أثناء الحمل وتستمر في دعم الأطفال ومقدمي الرعاية حتى اليوم الأول من المدرسة”(18). مع العمل على إرساء حلول تمويلٍ مستقرة، تكفي لاستمرارية هذه السلسلة؛ لأنّ الاستثمار في الطفولة المبكرة، سيعود “بأرباح قصيرة المدى تتمثل في انخراط المزيد من الآباء والأمهات في قوة العمل، وعلى المدى الطويل، عبر بناء أجيال مستقبلية قوية ومنتجة”(19). وهو ما سيمثّل نجاحًا فارقًا، في صياغة مستقبلٍ اقتصاديّ آمنٍ، مأهولٍ بمسارات ازدهارٍ، ذات ارتباط مباشر، بأدمغة كبارٍ، تم بناؤها بناءً سليمًا في طفولتهم.

آلية “التاءات الثلاث”

يحيل مصطلح “التاءات الثلاث” على تلك الآلية، التي يمكن من خلالها هندسة أدمغة الأطفال في سنواتهم الثلاث الأولى. وتقوم هذه الآلية على ثلاثة مسارات إجرائية، تحدد ماهية العلاقة مع الأطفال في هذه الفترة، وهو ما ورد مكثّفًا في الإشارة إلى هذه المسارات، في هذه الجملة الموجزة: “تناغمْ، تحدَّثْ أكثر، وتناوبْ في الدور”(20).

وتشير المؤلفة ــ في سياق تناولها للمسار الأول من هذه الآلية ــ إلى أن “أهمية حديث الأطفال بالنسبة للرضع”(21)، تبدأ منذ ولادتهم(22). وأن القراءة لهم تبدأ فوائدها في إكسابهم التنمية اللغوية طويلة المدى، منذ عمر الأشهر الستة(23)؛ لذلك فإن الأطفال الذين يكتسبون “فائدة فعلية في ما يتعلق بكفاءة أدمغتهم”(24)، هم أولئك الذين يحظون بفرص مواتيةٍ، لمزيد من الحديث مع والديهم ومربِّيهم.

ومن سياقات التعاطي مع المسار الثاني، التأكيد “أن التناغم من قِبَلِ الشخص البالغ هو خطوة أولى حاسمة في إعداد دماغ الطفل الرضيع للتعلّم الذي ينتظره”(25). أمّا المسار الثالث، فمن السياقات التي تضمنتْه، ذاك السياق الذي لفتت المؤلفةُ فيه الانتباه إلى أن تنشئة دماغ الطفل ليست متعددة الطرق مثل تربيته؛ إذ تقتصر تنشئة دماغه على طريقة واحدة، هي تلك المتمثّلة في تقنية “الأخذ والرد”(26).

نموذج تطبيق التاءات الثلاث

سعت المؤلفة إلى إثراء تنظيرها لهذه المسارات الثلاثة (التاءات الثلاث)، بنماذج عملية، منها هذا النموذج الذي تضمّنه حديثها عن صورةٍ من علاقتها مع أطفالها؛ إذ تقول: “عندما كان أولادي في سنّ بداية تعلّم المشي، أخذتُهم في عرباتهم للتنزّه، وكنت أُلفت انتباههم إلى الطيور التي تقع عليها عيناي، إلى الحافلات التي كانت تمر جوارنا، وإلى الكلب الأصفر الضخم الذي كان ينزّهه جارنا”(27).

وعلى ذلك، فإن النموذج الذي استوعب العمل على هذه المسارات الثلاثة، هو ذاك المتعلق بقصة صديقتها (ماريا) وابنها (ليام)؛ إذ أوردت هذه القصة، متحدِّثةً عن مشاهدتها ذاك الموقف، الذي كانت فيه الأم تلعب مع ابنها، تسلق حضنها، ملتصقًا بها، لحظة التقاطها كتابًا، فقامت بالقراءة منه لطفلها، تركته يقلب صفحات الكتاب، والتقطت كتابًا آخر، قارئة له بعض فقراتٍ من صفحاته(28).

ولأن مضامين السياق ــ الذي أوردت المؤلفة فيه هذه القصة ــ متعلقةٌ بمحورٍ جزئي من رؤيتها التربوية، فإنها لم تشر فيه إلى تجسيد القصة لهذه المسارات. لكنها عادت إليها، بعد صفحات، حينما وصلت إلى السياق المتعلق بمسارات (التاءات الثلاث). ذكّرت القارئ بتلك القصة(29)، مشيرةً إلى أنها تمثّل “تطبيقًا عمليًّا للتاءات الثلاث”(30). ثم مضتْ في شرح ذلك، بدءًا بالتناغم، الذي تجسّد حينما “بدأت [ماريا] بقراءة ذلك الكتاب عن الأسد “تشومب” وأخذ ليام الكتاب منها، راغبًا في أن يتولّى زمام الأمور، تركته يتولّى القيادة، لأنها تناغمت مع ما يريد أن يفعله”(31).

أما مسار التحدّث مع الطفل، فقد تجلّى “عندما التقط [ليام] كتابًا آخر “عشر أصابع صغيرة في اليدين وعشر أخرى في القدمين”، منحها ذلك الفرصة للتحدّث أكثر، وقرأت له. “كان هناك طفل صغير وُلِد في التلال، وطفل آخر كان يعاني من العطاس وقشعريرة البرد”. “وكلا هذين الطفلين يعرفان مثل كل شخص أن لديهما عشر أصابع صغيرة في اليدين وعشر أصابع في القدمين”. وعندما أمسكت بأصابع ليام في يديه وقدميه، ساعده هذا في الربط بين الكلمات التي تحدثت بها وبين جسمه”(32). لتأتي بعد ذلك تاء التناوب؛ إذ “إن ماريا حرصت على التناوب في “المحادثة” التي كانا يجريانها، وفي النهاية، بمجرّد أن انتهى من تقليب صفحات الكتاب الذي كان يمسكه، قالت له: “عمل جيد”، وعندما ردّد الكلمة نفسها “عمل”، كان ذلك دوره في المحادثة”(33).

لقد تمكّنت المؤلفة ــ من خلال إسقاطها هذه القصة على آلية التاءات الثلاث ــ من الوصول إلى مستوىً عالٍ، من الربط بين سياقات التنظير، والمواقف العملية، المأهولة بتفاصيل استيعاب تلك السياقات.

مهندسو الأدمغة

يقدّم هذا الكتاب رؤيةً تربوية مغايرة لكل ما سبق من رؤىً في هذا السياق، تشكلت في وعي المؤلفة، التي أسستها على جدوى السنوات الثلاث الأولى في تشكيل أدمغة إيجابية. ويبدو واضحًا أن تقنيات الكتابة قد أضفت على هذه الرؤية حيويّة فاعلة في نسج تفاصيلها. كما يبدو أن من أهم تلك التقنيات تقنية الترابط بين محاور هذه الرؤية، واتصال بعضها ببعض. أو قل استناد التالي منها إلى السابق.

من أبرز تجليات هذه التقنية (الترابط)، ما أفضى إليه الحديث عن استثنائية السنوات الأولى، من البحث عن آليةٍ لاستثمارها (التاءات الثلاث). ثم أفضى تفعيل هذه الآلية ــ بدوره ــ إلى أنشطةٍ متعددة ذات علاقة بإنجاز هندسة ناجحةٍ، لأدمغة الطفولة. هذه العملية، تقوم على منظومة من الجهود المتجانسة، التي تضطلع بها مجموعة من الناس، المؤهلين بإمكانيات تحقيق هذه الغاية. بدءًا من الآباء والأمهات، مرورًا بمقدمي الرعاية الاجتماعية، وانتهاءً بـ”أمة المربين”، التي تشمل كل فرد في هذه المجموعة.

الآباء والأمهات

تبدأ هندسة دماغ الطفل من “الوالدين بصفتهما مهندسين لأدمغة أطفالهما”(34). وحتى تحقق هذه البداية الغاية المرجوة منها، لا بد من تأسيسها على أرضية صلبة من العناية بهما، وتوفير ما يحتاجان إليه، كحاجتهما إلى نوعٍ من التثقيف الذي يعدّ “تمهيدًا ضروريًّا لتقوية التعليم المبكر للأطفال”(35). أو حاجتهما “إلى الوقت والطاقة اللازمين لتمكينهم من أن يكونوا مهندسي أدمغة”(36). وبوجه عام، فإن الآباء والأمهات “يحتاجون إلى معرفة كيفية البناء الصحي للدماغ، لمعرفة أن الكبار المحبّين هم مهندسو الدماغ، أن يؤمنوا بأن ما يحدث في السنوات المبكرة من حياة الطفل، يغرس بذور النجاح لمستقبل الطفل. يحتاجون إلى أن يكون لديهم مجتمع يعرف أهمية التنمية الصحية للدماغ، مجتمع يدعم الوالدين، ومقدّمي الرعاية في دورهم الحاسم باعتبارهم مهندسي أدمغة الأطفال”(37).

البيئة المطمئنة

بمعية أهمية سدّ تلك الحاجات التي تتعلق بالأمهات والآباء المأمول منهم هندسة أدمغة أطفالهم، تأتي أمورٌ أخرى متعلقة بالبيئة، التي تجري فيها هندسة دماغ الطفل. من أهم العوامل الفاعلة في تهيئة هذه البيئة، أن يسودها نوعٌ من الطمأنينة؛ فالأطفال يمكنهم أن يشعروا بالحزن والخوف في الثلاثة الأشهر الأولى من ولادتهم. وبذلك؛ فإن “القلق، اللغة القاسية و… جميعها تقلل من فعالية العملية المهمة اللازمة لنموّ دوائر الدماغ”(38). كما أن “المحن التي نواجهها في الطفولة تختبئ في الدماغ ــ إذا لم تتم معالجتها ــ [فبإمكانها] أن تقوّض استقرار دوائر الدماغ التي تُبنى، وبالتالي، تقوّض استقرار مستقبل الطفل”(39).

ويتمحور عنصر الأمن والطمأنينة، في علاقة الطفل مع والديه؛ فـ”كلما توتر الوالدان، زاد احتمال أن يعاني الأطفال الصغار من مشاكل الصحة العقلية، مثل القلق والاكتئاب”(40). ولعل من أبرز مخاطر ذلك أنه “غالبًا ما يتسرب التوتر الهائل إلى دماغ الطفل في طور النمو. [وبذلك] يؤدي التوتر المستمر والمزمن إلى رفع مستويات الكورتيزول لدى الرضّع والأولاد الصغار، وهي مشكلة لأنه بالإضافة إلى إثارته لمجموعة من العلل البدنية، يغير الكورتيزول الدماغ على المستوى الخلوي ــ ومن المحتمل أن يغيّر نموّ وتطور قشرة الفص الجبهي، وبالتالي، الاستجابات السلوكية لدى الأطفال”(41).

وإجمالًا، فإن المؤلفة قد تعاطت مع هذه الزاوية (توتر الوالدين وأثرها في عملية بناء أدمغة أطفالهما)، فكثفت الحديث عنها في قولها: إننا “نعلم ما الذي يمكنه حماية الأطفال: علاقة إيجابية وداعمة مع شخص واحد على الأقل من الكبار، التعرّض إلى مدخلات لغوية ثرية، وبيئة آمنة ومستقرة”(42). تلك الحماية، التي تفضي إلى “جعل الذكريات مليئة بالحب”(43)؛ إذ إن “أفضل النتائج هي التي تأتي من دعم استقلالية الأطفال ومن أسلوب التربية الذي يجمع بين الانضباط الفعّال ودفء الأمومة والأبوة”(44).

ثنائية الغنى والفقر

مثلما تطرقت المؤلفة إلى الفرق بين نشأة الطفل في بيئة مستقرة ونشأته في أخرى غير مستقرة ــ من ناحية تأثير ذلك في تشكيل دماغه في السنوات الأولى من حياته ــ تطرقّت من الناحية نفسها، إلى ثنائية الفقر والغنى، في حياة الأطفال الأولى.

تجلّى ذلك، في سياقات مختلفة، منها ما أشارت فيه إلى ذلك إشارات مقتضبة، كالإشارة إلى “أثر الحالة الاجتماعية ــ الاقتصادية على القدرات الفكرية للأطفال”(45). والربط بين الفقر وتداعياته السلبية، في القول: إنه “كلما كنت أكثر فقرًا، كانت العواقب أكثر سوءًا بالنسبة لدماغك”(46). والقول: “خيرٌ لك أن تولد غنيًا من أن تولد موهوبًا”(47). والأمر نفسه، في إشارة المؤلِّفة إلى أن “الأطفال المتحدرين من عائلات ذات مزايا مادية منخفضة، هم على الأرجح أقل استعدادًا للمدرسة من أقرانهم الأغنى منهم”(48).

كما أن من تجليات إضاءة هذه المفارقة بين الغنى والفقر، ما ورد تفصيلًا لتداعيات هذه المفارقة، في بيئة تشكيل أدمغة الأطفال، تشكيلًا يختلف ويتنوّع، باختلاف المستوى الاقتصادي المتفاوت، من مثل الحديث عن “وفرة اللغة في البيوت الأكثر غنى، و[عن] لغة أقل في منازل ذوي الدخل المنخفض”(49). والقول: “إن البيئة اللغوية الأكثر فقرًا تؤثر بدورها على الدوائر التي تُبنى في مناطق الدماغ المسؤولة عن اللغة”(50).

وبذلك، فإن الوصول إلى أدمغةِ أطفالٍ، ثريةٍ بتجربة السنوات الأولى من حياتهم، يخضع إلى اعتبارات مختلفة، منها الاهتمام بحاجات الآباء والأمهات، وتوفير بيئة مساعدة وداعمة، والأخذ بعين الاعتبار أثر الغنى والفقر في تشكيل أدمغة الأطفال. وجميع هذه المسارات، تحيل على أهمية تهيئة ظروف مناسبة، ذات فاعلية مباشرة في إنجاز هذه الغاية التربوية.

أُمّة المربين

إن النجاح في هندسة أدمغة الأطفال ــ وفقًا للإمكانيات البيولوجية التي تتميز بها هذه الأدمغة في السنوات الغضة من حياتهم ــ هو ما تسعى الرؤية التربوية في هذا الكتاب إلى التعاطي مع العوامل والمسارات المختلفة في إنجازه. وترى المؤلفة في هذا الإنجاز نجاحًا أكثر شمولًا، متمثِّلًا في تشكيل كل مجتمع من المجتمعات أمةً خاصة به، هي “أمة المربين”. تلك الأمة، التي تعمل على استمرارية هذا النجاح؛ إذ “إن الأدمغة القوية تُصنع ولا تُولَد، وإنهم ــ أي الآباء والأمّهات ومقدّمي الرعاية ــ هم المهندسون الذين يبنون تلك الأدمغة”(51).

وبذلك، فإن أمة المربين ــ وفقًا لما تراه المؤلفة ــ “هي مجتمع يرعى ويدعم الحب والعمل اللازمين لتنشئة وتربية وتعليم أجيال المستقبل”(52). كما أن المربين في رؤيتها “هم حراس رفاهنا المستقبلي، وينبغي أن يتم اعتبارهم حرّاسًا لحاضرنا”(53). لذلك، تشير إلى أنه “لكي ندعم مستقبل أولادنا ومستقبلنا بوصفنا أمة، يجب علينا الاستثمار في الأطفال اليوم، منذ الولادة… يجب علينا الآن أن نشغل أنفسنا بكيف يمكن أن يصبح أطفالنا، وبالمجتمع الذي يمكننا أن نكون عليه. يجب أن نفي بوعدنا ووعودنا، يجب أن نخلق أمة مربين”(54)؛ لأننا “بوجود أمم للمربين في كل مكان، سوف نحصل على عالم المربين”(55).

وهو عالم إنساني، يتّسق مع القيم الإيجابية المختلفة، ولا يتعارض مع ثقافة أي مجتمعٍ من المجتمعات، التي تتطلّع إلى مستقبلٍ ذي قدراتٍ سليمة البناء والنمو؛ فعلى الرغم من أن رؤية المؤلفة ــ في هذا الكتاب ــ أكثر ارتباطًا بتفكيك إشكالية النظم التعليمية والتربوية في مجتمعها الأمريكي، الذي لم يولِ السنوات الأولى من حياة أطفاله ما تستحق من اهتمامٍ ــ إلّا أن أفكار رؤيتها ــ تلك ــ مكتنزةٌ إمكانياتِ الاستفادة منها، في أي بلدٍ، يسعى أبناؤه إلى بناءٍ سليمٍ لأدمغة أطفالهم.

ثانيًا: سردية التربية والترجمة

تشير بطاقة بيانات الكتاب، إلى أن تصنيفه يقع ضمن دائرتي “علم النفس ــ علم الاجتماع”. وهو تصنيف دقيق؛ بناءً على مضمونه وتفاصيل الدراسات التي قامت عليها فكرته التأليفية. وإلى ذلك، فإن أسلوب كتابته ــ ومثله أسلوب ترجمته ــ قد انطوى على سمةٍ سردية، ليس من زاوية الإحالة المعاصرة العامة التي يحملها مصطلح السردية، بل من زاوية إحالته على البناء السردي، ذي المسارات الحكائية، التي حظيت بأساليب مختلفة، رُوِيَتْ من خلالها، فتحوصلت متنًا معرفيًّا متكاملًا بين دفتي هذا الكتاب.

آليات تسريد التربية

أول نافذةٍ، يمكن منها الإطلال على هذه السمة في أسلوب تأليف هذا الكتاب، هي تلك التي وردت في تقديم المترجم لهذا العمل؛ إذ يشير إلى ذلك، قائلًا للقرّاء: إنّ “الأسلوب السردي البديع الذي تتمتع به الكاتبة ينتظركم كما تنتظركم قصص الأمهات والآباء التي تسردها سوسكيند بحلوها ومرّها”(56).

وقد تجلّت هذه السمة السردية، في صياغة تفاصيل الكتاب؛ التي استأنست فيها المؤلفة بعددٍ كبير من الدراسات المتعلقة بالمجال الذي ينتمي إليه. وبذلك؛ ارتبطت تلك التفاصيل بتجربة هذه الطبيبة، كما ارتبطت بتجارب متعددة لعددٍ من معارفها وأصدقائها وصديقاتها، وعددٍ من الآباء والأمهات؛ إذ تشير إلى مجتمعٍ واسع وفاعلٍ في إثراء معارفها، وتيسير العمل على غايتها التربوية. تقول عن ذلك: “تعلمت من كل شخص في محيطي، تعلمت من العائلات التي عملتُ معها وأعتني بها، تعلمت من زملائي وزميلاتي في الجامعة وفي أنحاء البلاد والعالم”(57).

اقرأ أيضًا: سردية الفنون في رواية غير مشروعة

وفي السياق نفسه، تشير إلى فاعلية هذا المجتمع، في عددٍ من المواضع، بدءًا من صفحات ملاحظاتها، التي استهلت بها الكتاب، وتحدثت فيها عن طبيعة استحضارها لتجارب تربوية مختلفة، اتخذت في سياقها بعض الإجراءات المتصلة بالمحافظة على سرية هوية أصحابها؛ إذ تقول: إن “الآباء والأمهات الذين ستلتقونهم في هذه الصفحات حقيقيون، ولكني اتخذت بعض الخطوات لحماية خصوصيتهم”(58). بل أشارت إلى هذا الإجراء، في سياق استحضارها لتجربة بعضٍ منهم، كقولها في موضعٍ تحدثت فيه عن إحدى معارفها: “كانت هناك أمّ حديثةُ عهد بالطلاق (سأسمّيها تاتيانا) لديها ثلاثة أطفال تحت سن العاشرة”(59).

وفي السياق نفسه، يأتي تطرّقها إلى مناقشة آليات استفادتها من مثل هؤلاء، كحديثها مع إحدى صديقاتها، قائلةً: “لقد تذكرت تلك الحقيقة أثناء محادثة مع صديقة وزميلة هنا في جامعة شيكاغو: إلين كلارك. كنت أخبر إلين كيف تطور تفكيري من خلال معرفة قصص بعض العائلات المشاركة في برنامجنا بمركز TMW، والصعوبات التي واجهتْها تلك الأمهات وأولئك الآباء في السنوات المبكرة من أعمار أطفالهم”(60). والأمر نفسه، في سياقات مختلفة، تحدثت فيها عن هذه الآلية، من مثل إشارتها إلى ما يمكن الوصول إليه من الاستئناس بتلك التجارب؛ إذ تقول: “عندما أفكر بالعائلات التي التقيتها طوال رحلتي ــ العائلات الموصوفة في هذا الكتاب، وأصدقائي وأقاربي ــ يتضح لي كيف يمكن أن تتم مساعدة كلّ أم وأب من خلال نظام أكثر تكاملًا”(61).

اقرأ أيضًا: الكتابة نسقًا سرديًّا في رواية “خطوات الأعمى”

ومن خلال إشاراتها المباشرة، إلى تعاطيها مع تجارب متعددة، واستفادتها من قصص أصحاب هذه التجارب، أضفت المؤلفة على أسلوب إنجازها هذا الكتاب نسقيةً سرديّة، ونسيجًا من التشويق، المستند إلى تشابك هذه التجارب، وتقاطعاتها في مضامين تربوية، متصلة بما تسعى إليه رؤيتها التربوية. على أن ذلك، لم ينل من الطبيعة العلمية والمعرفية الثرية، التي احتفى بها المتن التأليفي، بل كانت هذه النسقية السردية ــ نفسها ــ فاعلةً في انسياب التلقي لتفاصيله، والتداعي مع كثافتها، التي امتدت على مساحةٍ تجاوزت خمسمئة صفحة.

الترجمة والنسقية السردية

يمثل هذا الكتاب صورةً استثنائية من مسارات التلاقح الثقافي مع الآخر. كما يمثلُ شكلًا من أشكال الاستفادة من حصيلة الرؤى والأفكار، التي يصل إليها الباحثون في الدول المتقدمة، وتوظيف ما اطمئنوا إليه من نتائج دراساتهم العلمية. لا سيما ما يتعلق من ذلك بالمعرفة النفسية والاجتماعية، التي شكّلت الفكرة والمضمون المحوري في هذا الكتاب؛ بوصفه حصيلةً معرفية وتطبيقية جديرة بالثناء عليها. ومن ثم الثناء من خلالها على ما تضطلع به بعضُ دور النشر العربية ــ وفي مقدمتها دار نشر هذا الكتاب (مدارك) ــ من إسهام فاعلٍ، في إثراء فضاء التواصل المعرفي والثقافي مع المجتمع الإنساني.

واتصالًا بتلك السمة السردية، التي مثّلت واحدةً من أهم الخصائص الأسلوبية في هذا العمل، يمكن الإشارة إلى أن المترجم ــ الذي لامس هذه السمة، وتحدّث عنها في تقديمه لهذا المتن ــ قد أخلص في الاشتغال على ترجمته، بشكل يحيل على نوعٍ من التأنِّي والاستقصاء والتجويد في صياغة أفكاره، والمحافظة على كمالها ودقة الحقائق والمعلومات المتصلة بها. بما في ذلك، ما تجلّى من استيعاب أسلوب الترجمة لأسلوب التأليف، من زاوية سردية، كانت ــ أيضًا ــ سمةً من سمات أسلوب الترجمة.

وعلى أن جهود الترجمة عادةً ما تتمحور في المتن المترجَم، وتتماهى في مضامينه، إلّا أن منها، ما يستقل به المُترجم. وهو ما يمكن التعريج عليه في هذا العمل، من خلال رؤى المترجم، التي ضمّنها تقديمه لهذا الكتاب. وكذلك إضافاته، التي أوردها هوامش توضيحية، مُذَيِّلًا إيّاها بصفته (المترجم)، للإحالة بها على انتمائها إليه، والتمييز بينها والهوامش المتصلة بالمتن التأليفي.

ارتبطت رؤى المترجم ــ في هذا العمل ــ بتجربته التي خاضها مترجمًا لمضامينه؛ فأشار إلى أن هذا الكتاب يجعل “كل أب وأم يتمنون لو أنّ الزمان يعود بهم إلى الوراء لكي يمنحوا أطفالهم تنمية صحيّة مُثلى لأدمغتهم”(62). كما وضّح أنّ ذلك لا يعني أنه لم يعد بإمكانهم الاستفادة من قراءتهم لهذا العمل، مُؤكِّدًا إنه “لا يفوت الأوان ولن يفوت، ما دام هناك نُخبٌ علمية وثقافية واجتماعية قادرة على البحث العلمي ومواكبة الاكتشافات الأحدث، وقادرة بالتالي على إقناع الحكومات ورجال الأعمال بتصوّرات واضحة لتنمية أدمغة الأطفال”(63).

وفي هذا السياق التقديمي، يأتي تكثيف المترجم، الذي استوعب فكرة الكتاب وسياقات الاشتغال عليها؛ إذ يقول: “إن كمية ونوعية الكلمات التي يسمعها الأطفال تحفّز الدماغ. والمناطق التي ستتعلّم معالجة القواعد اللغوية والمعاني، ستكون حاسمة لاكتساب القدرة على التحدّث، ولاحقًا على القراءة. كما أنّ التعرّض للكلمات يؤثّر على مناطق الدماغ التي تعالج المشاعر والتفكير المنطقي، وهو ما سيساعد الأطفال على تنظيم عواطفهم وسلوكهم كلّما كبروا. وكلما سمع الطفل لغة أكثر في تلك السنوات المبكرة، كانت الروابط الأساسية في دماغه مبنية بصورة أكثر أمانًا”(64).

أما ما يتعلق بإضافات المترجم ــ في هوامش الكتاب ــ فقد وردت إضاءاتٍ، وشرحًا لبعض المصطلحات، أو مقارنةً لمصطلح أو فكرة معينة في لغة التأليف بما يقابلها في لغة الترجمة، وثقافة مجتمعها العربي. ويكفي أن نمثّل لذلك، بنماذج من الهوامش، التي تضمّنت مقابلة بين هاتين اللغتين (لغة التأليف: الإنجليزية/ ولغة الترجمة: العربية).

من ذلك، هذا النموذج الذي ورد في المتن صيغةً للمثل القائل: “أوقية من الوقاية خير من رطل علاج”. وما اتصل به من  إشارة المترجم ــ في الهامش ــ إلى أنه “يقابله المثل العربي: “درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج”. (المترجم)”(65).

وكذلك هو الأمر في هذا الموضع، الذي تضمن المتن التأليفي فيه حديثًا عن فتاةٍ “عملت قبلًا بوظيفة رفيقة الولادة (دولا) doula)”. وما تضمّنتْه إضافة المترجم، من مقابلةٍ مُفصَّلةٍ لهذه الوظيفة بما يماثلها في الثقافة العربية؛ إذ يقول في الهامش: إن “أقرب مقابل لها هي “الداية” في بعض البلدان العربية، وتختلف وظيفة الدولا عن وظيفة القابلة، إذ لا تصنّف ضمن الوظائف الطبية، وطبيعة عمل الدولا تقديم الرعاية والدعم النفسي والمساعدة البدنية للنساء الحوامل قبل وأثناء وبعد الولادة، وغالبًا ما تجاز لهذه الوظيفة مُدرِّبات الرضاعة الطبيعية بعد حضورهن دورات تدريبية لمدة سنة. (المترجم)”(66).

وبذلك، كانت هذه الهوامش مساراتٍ فاعلة، في توضيح ما تستدعي ثقافةُ لغة الترجمة توضيحَه. كما كانت فاعلة في إضفاء نوعٍ من التكامل بين الفكرة المُترجَمة، والصيغة المقابلة لها في اللغة التي تُرجمت إليها، وما يتصل بها من سياقاتٍ فاعلة، في تمكين آفاق التلقي من استيعابها والتعاطي معها.

الطباعة والتدقيق اللغوي

من زاوية فنية متعلقة بمرحلة الطباعة والتدقيق اللغوي، يمكن الوقوف على مواضع محدودة، ذات علاقة بإجراءاتٍ تدقيقية وفنيّة؛ إذ لم ينل خبر (كان) حقّه من النصب، حينما حلّ محلّه التسكين في الجملة “كان التباين هائل…”(67)، بدلًا من صيغته الأصوب: “كان التباين هائلًا”. وكذلك، حينما حلّ محلّه الرفع في هاتين الكلمتين: (مقدمو/ الآخرون)، من السياق القائل: “سيكون المهندسون راندي نفسه، زوجته ميرا، ومقدمو الرعاية الآخرون”(68). على أن الصواب نصب كلتا الكلمتين بالياء (مُقدمي/ الآخرين)؛ عطفًا على خبر (سيكون) المنصوب.

ومثل ذلك، هو الأمر في استخدام (الذي)، مكان (الذين) المتسق مع الجمع، في هاتين الجملتين: “فأولئك الأطفال الذي حصلوا”(69)، و”الأطفال الذي كانوا ينامون”(70)؛ إذ إن الأصوب هو القول فيهما: “الأطفال الذين”. أمّا الجملة: “على مدى خمس، وأحيانًا، ستة أيام في الأسبوع”(71)، فقد اسْتُخدم العدد “خمس” للمعدود المذكر (يوم)، بينما كان الأنسب أن يخالف معدوده، فيقال: “على مدى خمسة…”.

وفي جملة: “حياتنا العائلة”(72)، سقط حرف (الياء)، من كلمة (العائلية)؛ إذ السياق يحيل على أن الجملة، هي: “حياتنا العائلية”. وفي الجملة: “على الرغم من كل مرا به”(73)، سقطت (ما)، التي من حقها أن تحل بين (كل/ ومرا)، لتُكتب: “كلّ ما مرا به”. وفي جملة: “أجرت كاثرت فحصًا طبيًّا”(74)، حلّ حرف التاء محل حرف النون من آخر الاسم (كاثرين/ كاثريت). أما الجملة: “المجتمع الذي نشأت به”(75)، فيبدو لي أن الأجود فيها القول: “نشأت فيه”، لا “نشأت به”.

وفي جملتين اثنتين حدث تكرار للكلمة نفسها، في موضع لا مسوغ فيه لهذا التكرر؛ إذ حدث تكرارٌ للتركيب (إخراجه) في الجملة: “طفلها وإخراجه إخراجه إلى الأماكن العامة”(76). ومثله تكرار حرف الجر (إلى)، في الجملة: “لدى وصولها إلى إلى المكان”(77).

وعلى ذلك، فإن هذه الملاحظات، لا تكاد أن تتجاوز المواضع التي أشرتُ إليها. وهي ــ في كل الأحوال ــ لا تنال قيدَ أنملةٍ، من مستوى لغة الترجمة العالي، الذي استوعب خصائص أسلوب التأليف، كما استوعب خصائص كلتا اللغتين (لغة التأليف/ ولغة الترجمة)، استوعب مضامين الكتاب من خلال خصائص اللغة الأولى، واستوعب انعكاسها مُتَرْجَمَةً من خلال خصوصية اللغة الثانية، لغة الترجمة (العربية) على اختلاف ضوابطها اللغوية والكتابية.

وبعد أن وصلتُ إلى هذه المساحة ــ من كتابتي لهذه المقاربة التحليلية ــ يمكنني القول إن قراءتي لهذا الكتاب ــ ومن ثم كتابتي عنه ــ قد تركت أثرًا واضحًا في سياق ما لديّ من فكرٍ تربويّ؛ إذ انفتحتْ رؤيتي في تربية الأطفال على أفكار جديدة، مبنية على حقائق علمية وبيولوجية. وهو الأثر نفسه، الذي لا شك في أنه سرعان ما سيتخلّق لدى القارئ ــ أيّا كانت ثقافته ــ فورَ انتهائه، من استيعاب تفاصيل هذا السِّفر الثريّ بتفاصيله المعرفية وتجاربه التربوية. الذي يبدو أنه من المؤلفات القليلة، التي تأتي على هذا المستوى من الجدة الفكرية، والسردية التأليفية ذات الانسياب الشيّق، والقيمة المعرفية العالية.


  1. “أمة المربين إطلاق العنان لإمكانات كل طفل، والوفاء بوعد المجتمع”. ط1، مدارك، الرياض، 2024. ↩︎
  2. دانا سوسكيند: ـولدت الطبيبة الأمريكية (دانا سوسكيند)، في 7 إبريل نيسان 1968، دكتوراه في الطب، مؤسسة ومديرة مشاركة لمركز TMW للتعلّم المبكر والصحة العامة، ألّفت د. سوسكيند أكثر من خمسة وأربعين منشورًا علميًّا، وكتاب “ثلاثون مليون كلمة: بناء دماغ الطفل”. وهي عضوة في الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، وزميلة في مجلس الطفولة المبكرة. تم تناول عملها من قبل عدد كبير من وسائل الإعلام، بما في ذلك صحيفة نيويورك تايمز، والإيكونوميست، ومجلة فوربس، والإذاعة الوطنية العامة، وفريكونوميكس”. ↩︎
  3. لينا دوينوورث: كاتبة علمية، حائزة على عدة جوائز، ومحررة مشاركة في المجلة العلمية الأمريكية، ألّفت عدة كتب في العلوم العامة، بما في ذلك “الصداقة: التطور، البيولوجيا، والقوة الاستثنائية للرابطة الاستثنائية في الحياة”، وكتاب “أستطيع سماعك تهمس: رحلة حميمة عبر علم الصوت واللغة”. ↩︎
  4. لطف الصراري: من مواليد مديرية ماوية، محافظة تعز. كاتب قصص أدبية. يعملُ في الصحافة المحليّة المستقلّة منذُ العام 2009. صدرتْ له ثلاث مجموعات قصصية. شغل مهام المحرر الثقافي ومدير التحرير في أسبوعية “حديث المدينة” 2009 ــ 2010. كما شغل مدير التحرير في يومية “الأولى” 2011 ــ 2015. ومدير تحرير في منصة “خيوط”. ↩︎
  5. دانا سوسكيند، “أمة المربين”. مرجع سابق، ص29. ↩︎
  6. نفسه، ص189. ↩︎
  7. نفسه، ص28. ↩︎
  8. نفسه، ص67. ↩︎
  9. نفسه، ص232. ↩︎
  10. نفسه، ص149. ↩︎
  11. نفسه، ص195. ↩︎
  12. نفسه، ص71. ↩︎
  13. نفسه، ص236. ↩︎
  14. نفسه، ص130. ↩︎
  15. نفسه، ص115،114. ↩︎
  16. نفسه، ص146،145. ↩︎
  17. نفسه، ص348. ↩︎
  18. نفسه، ص429. ↩︎
  19. نفسه، ص439. ↩︎
  20. نفسه، ص165. ↩︎
  21. نفسه، ص171. ↩︎
  22. نفسه، ص205. ↩︎
  23. نفسه. ↩︎
  24. نفسه، ص173. ↩︎
  25. نفسه، ص171. ↩︎
  26. نفسه، ص225. ↩︎
  27. نفسه، ص142. ↩︎
  28. نفسه، ص125،124. ↩︎
  29. تذكير القارئ بقصصٍ سبق أن تحدثت عنها تقنيةٌ تكرر استخدامُها لها، كلما حان الحديثُ عن سياق لتلك القصص علاقة ببعض من أفكاره. ↩︎
  30. دانا سوسكيند، “أمة المربين”. مرجع سابق، ص165. ↩︎
  31. نفسه، ص166. ↩︎
  32. نفسه. ↩︎
  33. نفسه. ↩︎
  34. نفسه، ص181. ↩︎
  35. نفسه، ص343. ↩︎
  36. نفسه، ص401. ↩︎
  37. نفسه، ص226. ↩︎
  38. نفسه، ص270. ↩︎
  39. نفسه، ص279. ↩︎
  40. نفسه، ص280. ↩︎
  41. نفسه، ص285. ↩︎
  42. نفسه، ص297. ↩︎
  43. نفسه، ص453. ↩︎
  44. نفسه، ص284. ↩︎
  45. نفسه، ص104. ↩︎
  46. نفسه، ص88. ↩︎
  47. نفسه، ص105. ↩︎
  48. نفسه، ص235. ↩︎
  49. نفسه، ص32. ↩︎
  50. نفسه، ص86. ↩︎
  51. نفسه، ص199. ↩︎
  52. نفسه، ص23. ↩︎
  53. نفسه، ص61. ↩︎
  54. نفسه، ص335. ↩︎
  55. نفسه، ص450. ↩︎
  56. نفسه، ص21. ↩︎
  57. نفسه، ص452. ↩︎
  58. نفسه، ص23. ↩︎
  59. نفسه، ص316. ↩︎
  60. نفسه، ص320. ↩︎
  61. نفسه، ص343. ↩︎
  62. نفسه، ص18. ↩︎
  63. نفسه، ص21،20. ↩︎
  64. نفسه، ص32. ↩︎
  65. نفسه، ص336. ↩︎
  66. نفسه، ص357. ↩︎
  67. نفسه، ص122. ↩︎
  68. نفسه، ص232. ↩︎
  69. نفسه، ص173. ↩︎
  70. نفسه، ص338. ↩︎
  71. نفسه، ص231. ↩︎
  72. نفسه، ص49. ↩︎
  73. نفسه، ص418. ↩︎
  74. نفسه، ص491. ↩︎
  75. نفسه، ص153. ↩︎
  76. نفسه، ص289. ↩︎
  77. نفسه، ص434. ↩︎

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top